ابن رشد
164
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
في مقداره من الأيام . وتحصيل مذهب مالك في مقداره من الأيام أن المسلم فيه على ضربين : ضرب يقتضى بالبلد المسلم فيه ، وضرب يقتضى بغير البلد الذي وقع فيه المسلم ، فإن اقتضاه في البلد المسلم فيه ، فقال ابن القاسم إن المعتبر في ذلك أجل تختلف فيه الأسواق ، وذلك خمسة عشر يوما أو نحوها . وروى ابن وهب عن مالك أنه يجوز اليومين والثلاثة ، وقال ابن عبد الحكم : لا بأس به إلى اليوم الواحد . وأما ما يقتضى ببلد آخر ، فإن الاجل عندهم فيه هو قطع المسافة التي بين البلدين قلت أو كثرت ، وقال أبو حنيفة : لا يكون أقل من ثلاثة أيام ، فمن جعل الاجل شرطا غير معلل اشترط منه أقل ما ينطلق عليه الاسم ، ومن جعله شرطا معللا باختلاف الأسواق ، اشترط من الأيام ما تختلف فيه الأسواق غالبا . وأما الاجل إلى الجذاذ والحصاد وما أشبه ذلك فأجازه مالك ومنعه أبو حنيفة والشافعي فمن رأى أن الاختلاف الذي يكون في أمثال هذه الآجال يسير : أجاز ذلك إذ الغرر اليسير معفو عنه في الشرع ، وشبهه بالاختلاف الذي يكون في الشهور من قبل الزيادة والنقصان ، ومن رأى أنه كثير ، وأنه أكثر من الاختلاف الذي يكون من قبل نقصان الشهور وكمالها لم يجزه . وأما اختلافهم في هل شرط السلم أن يكون جنس المسلم فيه موجودا في حين عقد السلم ؟ : فإن مالكا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور لم يشترطوا ذلك وقالوا : يجوز السلم في غير وقت إبانه . وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي لا يجوز السلم إلا في إبان الشئ المسلم فيه . فحجة من لم يشترط الا بان ما ورد في حديث ابن عباس أن الناس كانوا يسلمون في التمر السنتين والثلاث فأقروا على ذلك ولم ينهوا عنه . وعمدة الحنفية : ما روي من حديث ابن عمر أن النبي ( ص ) قال لا تسلموا في النخل حتى يبدو صلاحها وكأنهم رأوا أن الغرر يكون فيه أكثر إذا لم يكن موجودا في حال العقد ، وكأنه يشبه بيع ما لم يخلق أكثر ، وإن كان ذلك معينا وهذا في الذمة ، وبهذا فارق السلم بيع ما لم يخلق . وأما الشرط الثالث : وهو مكان القبض ، فكان أبا حنيفة اشترطه تشبيها بالزمان ولم يشترطه غيره وهم الأكثر . وقال القاضي أبو محمد : الأفضل اشتراطه . وقال ابن المواز : ليس يحتاج إلى ذلك . وأما الشرط الرابع : وهو أن يكون الثمن مقدرا مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مذروعا لا جزافا ، فاشترط ذلك أبو حنيفة ، ولم يشترطه الشافعي ، ولا صاحبا أبي حنيفة : أبو يوسف ومحمد ، قالوا : وليس يحفظ عن مالك في ذلك نص ، إلا أنه يجوز عنده بيع الجزاف ، إلا فيما يعظم الغرر فيه على ما تقدم من مذهبه . وينبغي أن تعلم أن التقدير في السلم يكون بالوزن فيما يكون فيه الوزن ، وبالكيل فيما يكون فيه الكيل ، وبالذرع فيما يكون فيه الذرع وبالعدد فيما يكون فيه العدد . وإن لم يكن فيه أحد من هذه التقديرات